يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

254

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

كما خرّج أبو داود عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من قرأ حرفا من كتاب اللّه تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول ألم * حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف . وعلى هذا الترتيب عند أحمد بن حنبل : من حلف بالقرآن فحنث وجبت عليه كفارة بكل حرف . وخالفه في ذلك مالك وغيره ، فأوجبوا عليه كفارة واحدة في جميعه ، وأهل هذه المقالة يقولون : إن حلف بحرف واحد منه فحنث فعليه كفارة كما لو حلف بجميعه . ووقع في كتاب الإعراب أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية منها يمين صبر إن شاء برّ وإن شاء فجر . وبه يقول الحسن وأحمد ، وزاد في موضع آخر : وابن مسعود ، نقلته من الأحكام الشرعية ، وحيث وقع لفظ جميعه أو بعضه أو جزء منه إنما يرجع إلى ما هو من عملنا وكسبنا من نسخه أو قراءته أو كتابتنا إياه بأيدينا في الصحف بالمداد وبالحروف ، وهو الذي يباع ويشترى . وأما كلام اللّه تعالى وحقيقته فصفة من صفاته القديمة ، كقدرته وإرادته ، وعلمه لا يقبل التبعيض ولا التفريق ولا الانتقال إلا من جهة الذكر منا والإنزال علينا ، وعلمنا بذلك مع الاعتقاد أنه متلوّ بألسنتنا مذكور بأفواهنا محفوظ في قلوبنا مكتوب في مصاحفنا . كما أنا نذكر اللّه بذلك ، وهو مع ذلك غير حال في شيء من ذلك ولا منتقل إليه ، وكما يكتب الموثق في الوثيقة الدار ويحدّدها ، ويذكر قبضها ، وحلول المشتري فيها محل البائع ، ونزوله فيها منزلته وهو لم يحل فيها ، ولا انتقلت الدار إلى الوثيقة ، ولا زالت عن موضعها ، وللّه المثل الأعلى . ومعنى : أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [ النساء : 166 ] أي أفهم جبريل عليه السلام كلامه ، وجبريل في علوّ ، وعلمه قراءته ثم أدّاه جبريل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو في سفل ، فكان ذلك معنى نزول الكلام ، لا أن الكلام يزول أو ينتقل أو يتحوّل لأنه صفة من صفاته تعالى ، كقدرته وعلمه وإرادته كما تقدّم سبحانه . وما جاء من ذكر التفضيل في السور والآي بعضها على بعض على مذهب من رآه ، فإن ذلك راجع إلى التلاوة المخلوقة في ألسنتنا ، والحروف المؤلفة الخارجة من مخارجها في أفواهنا المحدثة ، الكائن من جملتها كلامنا الذي هو عمل من أعمالنا ، يعطي اللّه العبد إذا وفقه لذكر من الأذكار ثوابا لا يعطيه مثله إلا على ذلك الذكر بعينه ، الذي ربما يخلق في العبد عنده ما لم يخلقه عند ذكر غيره من خشوع أو رقّة أو حدث ما ، مما لم يكن قبل ذلك فيه ، وقد تعرف ذلك بالذوق من نفسك إذا تلوت مثل أوّل الحديد